النويري

20

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال : ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش : إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجّاها اللَّه فارجعوا ؛ فقال أبو جهل : واللَّه لا نرجع حتى نرد بدرا ؛ وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم فيه سوق في كل عام ، فنقيم عليه ثلاثا ، فننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان « 1 » ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعينا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها ، فامضوا . فمضت قريش حتى نزلوا العدوة « 2 » القصوى من الوادي ، والقلب « 3 » ببدر في العدوة « 4 » الدنيا ، قال : وبعث اللَّه السماء ، وكان الوادي دهسا « 5 » ، فأصاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه منها ما لبّد لهم الأرض ، ولم يمنعهم من المسير . وقال ابن سعد : كان المسلمون يومئذ يميدون من النعاس ونزلوا على كثيب « 6 » أهيل ، فمطرت السماء فصار مثل الصّفا « 7 » يسعون عليه سعيا . وأنزل اللَّه تعالى : * ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ « 8 » * ( النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْه ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِه الأَقْدامَ ) * . قال ابن إسحاق : وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه ، فخرج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يبادرهم إلى الماء ، حتى إذا جاء أدنى ماء

--> « 1 » القيان : الجواري . « 2 » العدوة القصوى : أي جانب الوادي القريب من مكة . « 3 » القلب : جمع قليب ، وهو البئر . « 4 » العدوة الدنيا ، أي بالجانب الأدنى من المدينة . « 5 » الدهس : كل مكان سهل ليس برمل ولا تراب . « 6 » كثيب أهيل : أي رمل سائل . « 7 » الصفا : الحجارة الصلدة . « 8 » في قراءة ابن كثير وأبى عمرو .